الجمعة، 14 أكتوبر 2011

أصلهم لازم يموتوا!!!!!ـ

في منطقة مش بعيدة عن البيت.. فيه أرض تابعة للشركة المتحدة كان بعض الأهالي وضعوا إيدهم عليها أيام الثورة و حصل خلاف على أحقية كل واحد في امتلاك الأرض... يعني؛ الأرض دي حدوتتها طويلة ممكن نحكيها بعدين

إمبارح تطور الخلاف بشكل ما أعرفش تفاصيله لكن ملخصه إن الشركة حاولت تستعيد الأرض بطريقة ما من الأهالي و تطور الأمر و حصل أثناء الخلاف دا إطلاق نار

مايلزمنيش دلوقت مين ضرب نار.. أصلا طظ في الحدوتة كلها... المهم إن فيه راجل جارنا غلبان كدة اسمه أحمد.. واحد على قد حاله أوي شاب يمكن في بداية التلاتينيات... متجوز و عنده أطفال صغيرين و فاتح محل صغير أوي بيصلح فيه جزم... الراجل دا قدره إنه كان معدي بالعجلة بتاعته وقت المشكلة و أخد رصاصة في صدره و مات

أصل الناس دي لازم تموت بالرصاص علشان نعرف إنهم موجودين

آخر مرة شفت فيها أحمد كان من كام شهر.. حصل إني كنت قاعد عنده في المحل بتاعه شوية و جه شاب صغير ماسك بخور في إيده -الناس اللي بيعدوا على المحلات يبخروها- لقيت أحمد ناداله لأنه يعرفه و خلاه يبخر المحل الصغير أوي بتاعه... و هو شغال سأله أحمد عن أحواله فقال له إن أبوه مسجون بقاله كام شهر -على ما أتذكر بسبب ديون كانت عليه-.. يعني؛هما كانوا بيتكلموا عادي كأن دي مش أسوأ حاجة حصلتلهم في حياتهم

بعد ما الشاب خلص أحمد طيب بخاطره جامد.. الغريبة إنه إداله فلوس رغم إن أحمد -زي ما هو وضح ليا في الشوية الصغيرين إللي قعدتهم معاه- دخله بسيط جدا من تصليح الأحذية.. و يمكن كل فين و فين لما يجي زبون.. دا اللي حسيته

أنا بقيت لما بشوف الناس دي بحس إني بني آدم جزمة

الأحد، 18 سبتمبر 2011

بأي ذنب قُتِلَتْ! قصة قصيرة


د/ عادل رفعت تزعجه حياته مثلما تزعجه كوابيسه.

يستيقظ د/ عادل في ذلك اليوم مقبوض الصدر مما صور له عقله حين غفا. بالكاد يلتقط أنفاسه لينزل من فوق سريره و يتجه سريعًا نحو ماءٍ يغسل به وجهه. و مع الماء تهدأ نفس د/ عادل شيئًا ما فيرخي رأسه للأمام مستندًا على الحوض لبعض الوقت ثم يتوجه إلى المطبخ يعد قهوته التي يتركها على نار هادئة و يخرج إلى الشرفة.

يشعل د/ عادل سيجارته ناظرًا باتجاه الشارع الخالي من المارة. دائمًا يذَكِّره الشارع الفقير بأنه يعيش وحيدًا منفيًا في أسيوط على ذمة عمله بمكتب الصحة. لا يعرف كيف ساقته أقداره كي يصير طبيبًا شرعيًا يعمل في بلد يراه نائيًا فقيرًا, بلد لا يعرف فيه إلا جرائمه و جثثه و مجرميه. ما زال د/ عادل يجد في نفسه غضاضة من كونه طبيبًا غير مصرح له بمزاولة مهنة الطب – من وجهة نظره-. بل هو مخول دائمًا و أبدًا بتقصي أبشع الأحداث و التعامل مع كل ما يراه مقززًا يثير أعصابه و يدفعه نحو الجنون دفعًا فلا يجد أمامه حين ينتهي عمله إلا أن يهرع إلى أي مكان يمارس فيه أي مجون يذهب بعقله بعيدًا عن كوابيسه لينفث من جنونه المتوحش في ذاك المجون علّه يرتاح, و لو قليلًا.

يصل د/ عادل إلى مكتب الصحة ليجد بانتظاره إشارة من النيابة بالتوجه إلى (فرشوط) لفحص جثة طفل رضيع. بملامح ثابتة يجلس د/ عادل إلى مكتبه و يضع الإشارة جانبًا بهدوء ليشعل سيجارة و يسحب منها نفَسًا عميقًا و يخرجه. لماذا يصر الناس على ارتكاب جرائمهم في تلك الأماكن البعيدة؟ ماذا عليهم لو أنهم جاءوا إلى مدينة أسيوط ليرتكبوا فيها ما طاب لهم من الجرائم بدلًا من تحميله عبء السفر الشاق على طريق وعرة لتقصي جرائمهم؟

يظل د/ عادل في مكانه لعشر دقائق يكمل سيجارته و يتناول قهوته الثانية استعدادًا ليوم طويل ثم ينادي على (العسكري) الذي جاء إليه بالإشارة و يطلب منه أن يسبقه إلى السيارة التي ستقلهم إلى فرشوط. بعد قليل ينهض د/ عادل و يستقل السيارة برفقة (العسكري) الذي –بدوره- يحكي له بعض تفاصيل الجريمة خلال طريقهم. كانت كل التفاصيل التي يعرفها العسكري هي أن جثة طفل حديث الولادة قد وجدت بداخل كيس أسود للقمامة و ملقاة في إحدى (الخرابات). إذًا فمهمة د/ عادل هي فحص الجثة لمعرفة عمر الطفل و سبب وفاته و وقت حدوث الوفاة و غير ذلك من المعلومات المطلوبة. ليس هذا فقط؛ إنما ستمتد مهمة د/ عادل طالما ظلت النيابة تحقق في القضية.

"الجثة لرضيع.... أنثى عمرها عند الوفاة حوالي 36 ساعة و توفيت قبل حوالي 12 ساعة من وقت توقيع الكشف الطبي على الجثة عن طريق خنقها بوضع قطعة قماش بحلقها.... و لوحظ أيضًا وجود كدمات متفرقة بأنحاء مختلفة من الجسم..... إلخ"

أنهى د/ عادل كتابة التقرير و أعطاه إلى وكيل النيابة ليعود إلى أسيوط مرة أخرى و ينام في بيته قليلًا.

بعد ذلك مرّت حياة د/ عادل كما اعتادها حتى زاره نفس العسكري بعد يومين و حكى له بعض التفاصيل التي استجدت على القضية. تم القبض على امرأة بغِيّ - رآها بعض شهود العيان تلقي بكيس قمامة في وقت متأخر - و يتم الآن استجوابها داخل سراي النيابة و الضغط عليها لمعرفة علاقتها بالجثة من عدمها. كما أبلغ العسكري د/ عادل أيضًا أن النيابة قد ترسل المرأة إليه خلال أيام لتوقيع الكشف الطبي عليها.

في اليوم التالي تصل فعلًا المتهمة إلى مكتب الصحة لتوقيع الكشف الطبي عليها و معرفة هل وضعت مولودًا خلال الأسبوع الماضي أم لا؛ و هو سؤال محوري لأنه في حال ثبوت وضعها مولودًا خلال تلك المدة سيقترب الاشتباه في تورطها بالجريمة من حد اليقين. أما إذا ثبت عكس ذلك فهو دليل قد يكفي لبراءتها و ربما قيد القضية ضد مجهول و عدم الاستدلال على نسب الطفلة.

ملامح الطبيب الشرعي تبدو مألوفة لدى المتهمة. تشعر أنه ربما قد زارها في إحدى الليالي لكنها لا تذكر متى كانت الزيارة و هل حدثت – أصلًا- أم لا.

أما هو – د/ عادل -؛ فعيناه المتيقنتان تُذَكِّرانه تحديدًا بسابق المعرفة التي جمعتهما سويًا من قبل. لا يستطيع أن يصرف عينيه المذهولتين عن محادثة عينيّ المتهمة – المتحيرتين- حديثًا ذهب بما كان يتملكها هي من رعب و رهبة و أبدلهما بابتسامة قبيحة كابتسامات بنات مهنتها. و لم لا تبتسم و قد أخبرتها عينا الطبيب الجاحظتان بما تاه للحظات بعيدًا عن ذاكرتها؟

حتى و هو يأمر (الحكيمة) بتجهيز المتهمة للكشف الطبي لم ينقطع بينهما حديثهما الصامت. متى كان أول لقاء بينهما؟ يحاول هو لو يُكَذِّب تقديره للزمن الذي مر. يحاول لو يقنع نفسه أن ما حدث بينهما قد مر عليه وقت طويل جدًا؛ أطول من مجرد بضعة أشهر. أما هي؛ فيقينها قد دلّها على لقائهما الأول. و لأنها هي من حملت الطفلة بين أحشائها فهي تعرف كم مر من الشهور؛ بل كم مر من الأسابيع.

فجأة يشعر د/ عادل و كأنه هو الذي استسلم لسرير الكشف ينتظر من نفسه كلمة تبرؤه أو تدينه. هي الآن تتخذ وضع الكشف الطبي و تبتعد عيونها عن عيونه لكن الحديث لم ينقطع؛ لا بالنسبة إليه و لا بالنسبة إليها. هو يذكر الجريمة البشعة التي سافر إلى (فرشوط) لتقصيها. هي تذكر كم كان هو متوترًا. هو يذكر أنه كان مستثارًا مقبوضًا. هي تذكر أنه كان ماجنًا عنيفًا. هو لا يذكر كيف انتهت به ليلته. أما هي, فتذكره و هو يجري مبتعدًا عنها كالمجنون.

بجد د/ عادل نفسه منصرفًا عن سرير الكشف إلى مكتبه. يمسك قلمًا بيمينه و ينظر إلى ورقة بيضاء أمامه كمن يلومها ثم يمد قلمه نحو الورقة لكنه يسحبه. بعد قليل بمده ثانية ثم يسحبه. في ورقته البيضاء تظهر له صورة طفلة تبتسم كالملائكة, و صورة بغيّ تبتسم كالشياطين. تظهر له طفولته هو؛ كان طفلًا جميلًا مبشرًا بالخير. تظهر له صورة فتاة أحبها و لم ينلها, صورة صديق رآه أفضل منه فحقد عليه, صورة أبيه و أمه يبكيان لقسوة قلبه عليهما. تظهر له صورة قلبه كصخرة صماء تقطر دمًا و دموعًا.

يكتم د/ عادل أنفاسه بشدة و تسرع يمناه بالقلم نحو الورقة البيضاء ليخط تقريره. لا يمكن أن تكون المتهمة هي أم الطفلة المتوفاة لأنها لم تضع مولودًا خلال الأسبوعين الأخيرين على الأقل... و يكفي هذا.

تتناول (الحكيمة) التقرير تقرؤه.

لأنها امرأة فهي تعرف أن المتهمة ليست كذلك.

و لأنها تعرف د/ عادل فهي تتوقع منه أي شيء.

لكنها لا تعرف – و لا أحد يعرف- من تكون تلك الطفلة مجهولة النسب.

تمت

أحمد ثروت السعيد

18/8/2011

الثلاثاء، 30 أغسطس 2011

صلاة العيد


كان شيء مش لطيف - أو ممكن تقول إنه كان شيء سخيف أو زي ما انت عاوز- إن المسلمين يتفرقوا في صلاة العيد بين الساحات لمجرد إن كل جماعة عاوزة تنظم صلاة العيد بمعرفتها... و ماكانش شيء لطيف إني أروح الساحة امبارح ما ألاقيش ناس كتير علشان الناس راحوا دوران السيوف.. نصهم بيصلي عند الدعوة السلفية و النص التاني بيصلي عند الإخوان.

هي مش الفكرة من صلاة الجمعة و صلاة العيد إن المسلمين يتجمعوا كلهم مع بعض على اختلاف تفكيرهم و انتماءاتهم!!

هو دا ما يعتبرش نوع من (التحزب المذموم) إللي البعض بيتكلم عنه!!

ما هو طول ما احنا بنصلي الجمعة في الزوايا و بنتفرق على صلاة عيدنا (إللي هو عيدنا إللي بنقضيه مع بعض و بنتآلف فيه مع بعض).... يبقى ماحدش بقى يكلمني عن صحوة إسلامية

و على الناحية التانية كمان الإعلام بدأ يلمع التيار الصوفي علشان يواجه بيه التيار السلفي!!!!


داحنا هنشوف أيام!!!!!



الخميس، 14 يوليو 2011

لأني بحبك

لأني بحبك

بعيبك شتمتك

و همشي بسيرتك

يا بنت اللذينة

و لجل اما ترجع

زهرة شبابك

هدعي عليكي

بنبرة حزينة

هدعي و هكره

مِن قال آمين

و هصْرُخ بعزمي

بآهة و أنين

يا همي و غمي

و عشق السنين

يا دمي و أمي

و أكبر كمين

و هرجع أقوللك

يا بنت اللذينة

نفسي أشوفك

بطرحة و زينة

و مع ألف داهية

ييجي العريس

مناضل مثابر

مقطقط لذيذ

و يركع يقدم

أشيك خزينة

و نفتح نلاقي

خاتم رخيص!!ـ

ألعن و اسيبك

و أكسَّر في قلّة

و اعربد و أسكر

و أبلبع في كولّة

و أرجع أصالحك

و اقول إنتي فلة

أه يا حبيبتي

أسيبك لمين؟!ـ

و كل الديابة

أهُم طمعانين

و انا لا عمري ثوري

في حبك رهينة

أنا بس قروي

في قلب المدينة

تايه و بصْرُخ

يا بنت اللذينة

يا بنت اللذينة

يا بنت اللذينة

أحمد ثروت

14/7/2011

الأربعاء، 29 يونيو 2011

على أد فلوسك


لجل زيارة لاعتماد

قلنا ندوّر في البلاد

نبعت ليهم سندباد

يرجع لينا بالعتاد

**

جه بنظام جامد و متين

هيخلّي الطالب تنّين

جينا نطبّق.. هوب اتنين

قالوا: "نظام فاشل يا ولاد"ـ

**

كان عندنا مبنى التشريح

بقى باركنج واسع و مريح

أنا راجل واضح و صريح

ضد الظلم و الإفساد

**

عم محمد كان أنتيمي

كشك جميل تحت الأكاديمي

كان فيه مراية و قسم حريمي

شالوا الكشك و حطوا رخام

**

مبنى الميري دا مبنى قدير

ماعرٍفشي معني التطوير

نزلوا في الواجهة تكسير

و احنا بنينا "الدوريات"ـ

**

بقَى كلية طب مصون

مفيهاش ولا عنبر مضمون؟!!ـ

حد يقول: "بس يا مجنون"ـ

حد يقوللي دي ضلالات

**

و العيان لو جَيّ سعيد

يتعكنن من "عبده عبيد"ـ

ما هو شاري عنبر بعبيد

أما العدل فطق و مات

**

انت هناك على أد فلوسك

لو عاوز حقك هندوسك

خبّي آلامك جوة ف كوزك

و انزل ع الظالم دعوات

**

انت بتتعلم.. مجاني

و انت بتتعالج.. مجاني

اخرس ياض يابن الـ..مجاني

انتوا عبيد و احنا الأسياد



تمت

احمد ثروت

29/6/2011

الخميس، 9 يونيو 2011

المرآة المسحورة... قصة قصيرة

متماسكًا حاولت أن أصنع حفرة صغيرة في الأرض لأدس فيها مرآتي المسحورة. لم أستخدم أي أدوات في صنع الحفرة و إنما كانت أصابعي هي التي اخترقت التراب لتنقل ما تبقى من حلمي إلى مثواه الأخير الذي يستحقه؛ ذلك المثوى الذي قاتلت سنوات لإبعاده عني و عما كان حلمًا جميلًا يصبحني و يمسيني.

انتهيت من صنع الحفرة و أمسكت مرآتي المسحورة لأدفنها, لكني قبل دفنها توسلَت إليّ نفسي كي ألقي نظرة الوداع على مرآتي المسحورة التي رافقت دربي لسنوات. أدرت المرآة ناظرًا لوجهها اللامع فلم أجد شيئًا في البداية ثم ظهرت من بعيد في المرآة صورة مهزوزة لملامح أعرفها جيدًا لكني لم أستطع أن أميز هل تلك الملامح البريئة تبتسم أم تبكي؟ هل هي في أطيب حال أم هي قد أصابها مما يصيب الناس حين يعشقون؟ هل تلك الملامح تعرف العشق أصلًا أم أنها اعتادت أن تُعْشَق و لا تَعْشَق؟

ناوشني الفضول و مضيت أزيل الغبار من على وجه المرآة بطرف كمي دون جدوى فانهرت إلى جذع شجرة أتفكر و أتذكر؛ أتذكر أيامًا أتيح لي فيها أن أرى ذات الملامح البريئة رأي العين دون الحاجة إلى مرآة مسحورة, كانت تغدو و تروح أمامي و أنا أتعفف و لا أتكلم و إنما أحاول التقرب قليلًا قليلًا دون فائدة. كانت محاولات جس النبض طفولية لا تؤتي ثمارًا؛ فلم أعرف إذا كانت إجابة السؤال الذي لم أسأله هي نعم أم لا.

ثم جاء اليوم الذي رحلَت فيه هي, أو رحل فيه أنا أو رحل فيه كلانا. لا يهم أينا رحل لأن النتيجة أنه لم يتبق لي من تلك القصة إلا مرآة مسحورة أنظر فيها كلما اشتقت إلى أيام مضت و أفرح حينما تظهر على صفحة المرآة ما تيسر من ملامحها الهادئة الواثقة لتعيد إليّ بعض الأمل بأن إجابة السؤال الذي لم أجرؤ على سؤاله هي نعم, و أقول لنفسي لو قُدِّر لنا اللقاء بعد ذلك الفراق الطويل ربما أطرح عليها ذلك السؤال دون تحفظ.

ثم تختفي فجأة الملامح المهزوزة من فوق سطح المرآة و كأنها بخلت عليّ بذلك القليل الذي تلقيه إليّ بين الحين و الحين. يكاد حينها قلبي ينخلع و هو يتساءل عن صاحبة الملامح البريئة؛ كيف حالها الآن؟ و من يظهر لها حين تنظر في مرآتها المسحورة؟ هل أظهر أنا أم يظهر غيري؟ أم أنها –يا ترى- قد ألقت بمرآتها المسحورة منذ زمن بعيد فلم تعد تعبأ بأحد؟

كثيرًا ما جئت إلى هذا المكان و معي مرآتي المسحورة لأحفر قبرها بجوار نفس الشجرة, فإذا ما أوشكت على الانتهاء زينت لي نفسي أن ألقي النظرة الأخيرة على مرآتي فأجد على وجهها اللامع وجهًا أهاج بداخلي ما كنت أخفيه و أنكر وجوده, بعدها لا أقوى إلا على الاستناد إلى جذع الشجرة لأتفكر و أتذكر.

جاهدت في موقفي هذا دمعة حارقة كتمتها منذ زمن بعيد لكن الدمعة غلبتني أخيرًا و انطلقت من محبسها لتسقط حجرًا ثقيلًا على مرآتي المسحورة فأحدثت شرخًا مفاجئًا في صورة الملامح المهزوزة. لم أملك حين رأيت الشرخ إلا أن أجزع أشد الجزع و أن أنظر إليه مبهوتًا و هو يزداد و يطول ليقضي أكثر و أكثر على وجه المرآة اللامع فإذا ما انتشر فيه قفز إلى قلبي و شرخه و أدماه فلم أعِ إلا و أنا أجري إلى بيت صديقي طبيب القلوب, لا أعرف حينها هل أستنجد به لينقذ قلبي أم مرآتي. أمسكت المرآة المشروخة بيد و اعتصرت قلبي بالأخرى و اجتهدت كي أصل إليه قبل فوات الأوان.

توقفت لحظة عند بابه أستحضر شكواي التي سألقيها بين يديه؛ سأعطيه مرآتي و قلبي كي ينقذهما ثم أجلس إليه أروي له قصتي علّه يجد لصديقه حلًا يشفيه. لاحظت أن بابه مفتوح فدخلت لأجده أمامي باكيُا منهارًا و في يده مرآته المسحورة قد تحطمت منه و لا يقدر على إصلاحها. لم أتحمل مشاهدة صديقي المقرب على تلك الحال فمددت إليه يدي ليعطيني مرآته بيد يائسة. أخذت الحطام وكوّنته مرآة جديدة و نظرت إليها فلم أجد شيئًا في البداية. ثم ظهرت لي و له في مرآته ملامح لم أستغربها. إنها نفس الملامح البريئة التي تظهر مهزوزة في مرآتي. كانت الملامح في المرآة تبتسم لكن ابتسامتها لم تكن لي و لا لصديقي.

خرجت من لدن صديقي طبيب القلوب حاملًا مرآتي و معتصرًا قلبي إلى حيث الحفرة التي صنعتها من قبل. وقفت أمامها و رميت فيها مرآتي المسحورة دون أن ألقي عليها نظرة الوداع ثم انهرت إلى جذع الشجرة مستسلمًا لشرخ قلبي النازف.

تمت

أحمد ثروت السعيد

الاثنين، 30 مايو 2011

محنة الدستور


من تدابير القدر أن أقرأ في الأيام الماضية كتاب (محنة الدستور) للكاتب الصحفي الكبير محمد زكي عبد القادر. هذا الكتاب – الذي صدر عام 1955- يسرد فيه الكاتب رؤيته لفترة مهمة من تاريخ مصر؛ هي الفترة بين ثورة عراب 1881 م و حتى ثورة الجيش 1952 م محاولًا هو بذلك استقاء الفائدة من التجربة الديمقراطية لدستور 1923 م و للحياة السياسية التي تبعته من أجل التعرف على أسباب فشل تلك التجربة.

يقول الكاتب الكبير في مقدمة كتابه:

"هذا الكتاب وحي أمل في مستقبل مصر, و نبع قلب وعى الحوادث. و قلم عاش معها بكيانه....

و قد ضللنا في كثير من الأحيان معالم الطريق, و لكن وحي الفطرة السليمة في ضمير هذا الشعب هداه دائمًا – حتى و هو في أشد عهوده ظلامًا- إلى حيث ينبغي أن يسير.

و لكم أرجو أن تتيح لي الظروف القيام بدراسة أوفى للسياسة المصرية خلال العشرين سنة الماضية, فأن مثل هذه الدراسة أعظم ما تكون فائدة في كشف معالم الطريق للمستقبل, و حسبي الآن أن أقدم هذه اللمحات الموجزة..... إلخ"

الكتاب بحق وجبة دسمة جدًا و يمتلئ بالمواضع الغنية بالعبر و الجديرة بالنظر و التمعن و الاعتبار. خاصة مع الحديث عن إعلان دستور 1923 م و ما تعرض له من خروقات و تشويهات على مدار سنين طويلة. مرجعًا –المؤلف- أسباب فشل التجربة إلى الالتفاف على حكم الشعب و تعطيل الأحكام الدستورية و يلقي باللوم على كل من سمح بأي استثناء دستوري ساهم في تهميش قرار الشعب.

يتحدث الكاتب عن الانتخابات البرلمانية التي أعقبت إعلان الدستور مباشرة فيقول:

" و اكتسح الوفد المعركة اكتساحًا لم يسبق له مثيل"

"و كانت هذه الانتخابات بمثابة حكم أصدره الشعب على القيم الحقيقة للأحزاب, و القوى التي تقدمت تلتمس ثقته."

ثم يتحدث عن موقف المعارضة من الوزارة التي شكلت حينها قائلًا: "و مما يؤسف له أن المعارضة لم تتجه في كل الأحوال إلى الشعب, بل اعتمدت على القوى الخفية المناهضة للوزارة البرلمانية."

و يختتم الكاتب هذا الفصل بتلك الجملة: "و مهما يكن من أمر فإن هذه الحقوق التي حصل عليها الشعب في فجر الحياة البرلمانية, و كان المتوقع أن تزداد و تثبت و تتسع قد ألغيت فيما بعد, بل و حصلت السراي على حقوق أخرى ساعدت على هدم الحياة الدستورية و إضعافها إلى حد, كبير."

ثم ننطلق مع الكاتب في رؤيته للأحداث الجسيمة التي أعقبت ذلك, و هي كثيرة لكننا سنختار ثلاثة رجال تحدث عنهم الكاتب بشيء من الاستفاضة و كأنه يٌحَمِّلهم الكثير من ذنب تدمير الحياة السياسية في مصر. هؤلاء الثلاثة هم بالترتيب: محمد محمود, و إسماعيل صدقي, و أخيرًا علي ماهر. هؤلاء الثلاثة تولوا رئاسة الوزراء في ظروف ضربت بالدستور عرض الحائط لأن كلًا منهم جاء إلى سدة الرئاسة دون أن يكون له أي رصيد جماهيري لدى الشعب بل تم تصعيدهم لذلك المنصب نكاية في الأغلبية و خرقًا صريحًا لمواد الدستور.

المثير أن الكاتب لم ينف عن هؤلاء الثلاثة فضيلة الوطنية و الكفاءة. بل إنه افترض أن دافع هؤلاء كان رؤيتهم الخاصة بأن ما يفعلونه هو الصالح للبلاد ناسين بذلك أن الأشخاص زائلون و الوطن باقٍ.

فلتناول حديث الكاتب عن وزارة علي ماهر التي أعقبت تولي الملك فاروق العرش حيث يقول فيما بخص موقف علي ماهر تجاه الأغلبية:

" و الذي لا شك فيه أن علي ماهر لم يكن ذا اتجاه شعبي, بل لعله كان يشعر أن أصحاب الأغلبية الشعبية مفسدون يحسن اقصاؤهم عن حقهم الدستوري. و لما لم تكن له وسيلة للحصول على التأييد الشعبي فقد جعل وسيلته التوسيع في سلطة الملك الشاب.... , و من ثم يستطيع أن يهييء لنفسه الفرصة للحكم و إخراج آرائه في الإصلاح إلى ضوء التنفيذ."

ثم يقول الكاتب هذه الجملة المهمة:

"و لن يستطيع أحد أن يلتمس له العذر في سياسته بحجة أن الأغلبية الشعبية كانت تخطئ أو تسيء التصرف فيما منحت من سلطة. فإن هذه الأغلبية مردها إلى الشعب و إذا كانت الأغلبية في وقت من الأوقات مخطئة فإنها لن تدوم أبدا و سينتبه الشعب إلى أخطائها, و يحرمها من ثقته ثم يعطيها إلى من يستحقها. و كل دساتير العالم تعثرت. و كل الشعوب أخطأت ثم تعلمت."

و نهاية يُجْمِل الكاتب ما جناه هؤلاء الثلاثة في حق الوطن و يختتم كلامه في تلك النقطة بفقرة خطيرة و مهمة جدًا لخص فيها سبب المأساة فيقول:

"و سيروي التاريخ عشرين سببًا لانهيار النظام الملكي. و سيحمل فاروق و تصرفاته الأخيرة أثقل التبعات, لكن الإنصاف يتطلب أن نرجع بالأدوار إلى أصولها و المتاعب إلى اليوم الذي بدت فيه و كأنها بريق الأمل و الإصلاح, و إلى الرجال الذين, مهما تكن نياتهم حسنة, فقد حكموا على الأمور حكمًا شخصيًا محضًا, و جعلوا مصالحهم و آراءهم الخاصة في قاع تفكيرهم و هم يقررون مصير شعب بأسره, جيله الذي مضى و أجياله القادمة.

و لو آمنوا أن السلطة في يد الشعب لا خوف منها, حتى و لو أساء استعمالها, لما وقعوا فيما وقعوا فيه من أخطاء و لتغير تاريخ الكفاح الدستوري, بل لتغير تاريخ النظام الملكي كله في مصر."


كانت هذه عبرة حاولنا استخلاصها من التجربة الديمقراطية تلك لعلها تعيننا, هي و غيرها من العبر, على الاجتياز بتجربتنا الديمقراطية الوليدة إلى بر الأمان. اقرءوا هذا الكتاب و غيره من صفحات التاريخ لعلنا نجد فيهم الكثير و الكثير.

تمت

أحمد ثروت السعيد

29/5/2011